ملا محمد مهدي النراقي
208
جامع السعادات
( وأرسلنا الرياح لواقح ) 13 وإلقاحها إنما هو إيقاعها الازدواج بين الهواء والماء والأرض . ثم لا يكفي ذلك في إنباته في برد مفرط ، فيحتاج إلى حرارة الصيف والربيع . فهذه أربعة أسباب ، فإن الماء لا بد أن ينساق إلى أرض الزراعة من البحار والشطوط والأنهار والعيون والسواقي ، فانظر كيف خلق الله جميع ذلك . ثم الأرض ربما تكون مرتفعة لا ترتفع إليها مياه العيون والقنوات ، فخلق الله الغيوم ، وهي سحب ثقال حاملات للماء ، وسلط عليها الرياح لتسويقها بإذنه إلى أقطار العالم من المرتفعات والمنخفضات ، وترسلها مدرارا على الأراضي في وقت الربيع والخريف على حسب الحاجة ، ثم خلق الجبال حافظة للمياه تنفجر منها العيون تدريجا على قدر الحاجة ، ولو خرجت دفعة لغرقت البلاد ، وهلك الزرع والمواشي . ونعم الله تعالى وعجائب صنعه وحكمته في السحاب والبحار والجبال والأمطار لا يمكن إحصاؤها . وأما الحرارة ، فإنها لا يمكن أن تحصل في الماء والأرض ، لكونهما باردين . فخلق الله الشمس ، وسخرها ، وجعلها - مع بعدها عن الأرض - مسخنة لها في وقت دون وقت ، ليحصل الحر عند الحاجة إليه ، والبرد عند الافتقار إليه ، وهذه أخس حكم الشمس ، والحكم فيها أكثر من أن تحصى . ثم النبات إذا أرتفع على الأرض كان في الفواكه انعقاد وصلابة ، فتفتقر إلى رطوبة تنضجها ، فخلق الله القمر ، وجعل من خاصيته الترطيب ، كما يظهر لك ذلك إذا كشفت رأسك له في الليل ، فإنه تغلب على رأسك الرطوبة المعبر عنها ب ( الزكام ) ، فهو بترطيبه ينضج الفواكه ويرطبها ، ويصبغها بتقدير الخالق الحكيم . وهذا أيضا أخس فوائد القمر وحكمه ، وما فيه من الحكم والفوائد لا مطمع في استقصائه ، بل كل كوكب في السماء فقد سخر لفوائد كثيرة لا تفي القوى البشرية بإحصائها . وكما أنه ليس في أعضاء البدن عضو لا فائدة فيه ، فكذلك ليس عضو من أعضاء بدن العالم لا تكون فيه فائدة أو فوائد كثيرة . والعالم كله كشخص واحد ، وآحاد أجسامه
--> ( 13 ) الحجرة الآية : 22